الشيخ محمد رشيد رضا
78
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الصحيحين ، وفيهم الضحاك بن عثمان احتج به مسلم في صحيحه ، فلم يبق الا شيخ النسائي محمد بن عبد اللّه بن عمار نزيل الموصل . قال الحافظ في تقريب التهذيب : ثقة حافظ ، فهذا حديث صحيح لا مطعن فيه . ولا عبرة بما يوهمه كلام مثل العيني في هذا المقام . فتحريم قليل كل مسكر وكثيره صح في عدة أحاديث وثبت بالاجماع قال الحافظ النسائي بعد رواية حديث سعد وما في معناه : وفي هذا دليل على تحريم المسكر قليله وكثيره وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحليلهم آخر الشربة وتحليلهم ما تقدمها الذي يشرب في الفرق قبلها ، ولا خلاف بين أهل العلم أن ان السكر بكليته لا يحدث على الشربة الآخرة دون الأولى والثانية بعدها ، وباللّه التوفيق اه أي ان السكر يكون من مجموع ما يشرب لا من الشربة التي تعقبها النشوة . ( شبهة أخرى على تحريم قليل المسكر وعلة تحريمه ) ويعلم من هذه الأحاديث فساد قول من عساه يقول : ان القليل من الخمر لا تتحقق فيه علة التحريم والقياس ان الحكم يدور مع علة وجودا وعدما . ومتى فقدت العلة ، كان اثبات الحكم منافيا للحكمة . ووجه فساده انه لا قياس مع النص ، وان قاعدة سد ذرائع الفساد الثابتة في الشريعة تقتضي منع قليل الخمر والميسر لأنه ذريعة لكثيره ، ولعله لا يوجد في الدنيا ما يشابههما في ذلك بينا في تفسير آية البقرة التعليل العلمي الطبعي لكون قليل الخمر يدعو إلى كثيرها - وكذلك الميسر - وكون متعاطيهما قلما يقدر على تركهما ( ص 341 ج 2 ) ولهذا يقلّ أن يتوب مدمن الخمر ، لأن ما يبعثه على التوبة من وازع الدين أو خوف الضرر ، يعارضه تأثير سم الخمر - الذي يسمى الغول ( أو الكحول ) - في العصب الداعي بطبعه إلى معاودة الشرب ، وهو ألم يسكن بالشرب موقتا ثم يعود كما كان أو أشد . ومتى تعارضت الاعتقادات والوجدانات المؤلمة أو المستلذة في الناس رجحت عند عامة الناس الثانية على الأولى ، وانما يرجح الاعتقاد عند الخواص وهم أصحاب الدين القوي ، والايمان الراسخ وأصحاب الحكمة والعزيمة القوية . وهذا الألم الذي أشرنا اليه قد ذكره أهل التجربة في أشعارهم كقول